ابن الأثير

291

الكامل في التاريخ

وكتب إلى أرسطاطاليس يذكر له أنّ من خاصّة الروم جماعة لهم همم بعيدة ونفوس كبيرة وشجاعة ، وأنّه يخافهم على نفسه ويكره قتلهم بالظنّة . فكتب إليه أرسطاطاليس : فهمت كتابك ، فإنّ ما ذكرت من بعد هممهم فإنّ الوفاء من بعد الهمّة وكبر النفس ، والغدر من دناءة النفس وخسّتها ، وأمّا شجاعتهم ونقص عقولهم فمن كانت هذه حاله فرفّهه في معيشته واخصصه بحسان النساء ، فإنّ رفاهية العيش تميت الشجاعة وتجبّب السلامة ، وإيّاك والقتل فإنّه زلّة لا تستقال وذنب لا يغفر ، وعاقب بدون القتل تكن قادرا على العفو ، فما أحسن العفو من القادر ، وليحسن خلقك تخلص لك النيّات بالمحبّة ، ولا تؤثر نفسك على أصحابك ، فليس مع الاستئثار محبّة ، ولا مع المؤاساة بغضة . وكتب إلى أرسطاطاليس أيضا لما ملك بلاد فارس يذكر له أنّه رأى بإيران شهر رجالا ذوي رأي وصرامة وشجاعة وجمال وأنساب رفيعة ، وأنّه إنّما ملكهم بالحظّ والإنفاق ، وأنّه لا يأمن ، إن سافر عنهم فأفرغهم ، وثوبهم ، وأنّه لا يكفى شرّهم إلّا ببوارهم . فكتب إليه : قد فهمت كتابك في رجال فارس ، فأمّا قتلهم فهو من الفساد والبغي الّذي لا يؤمن عاقبته ، ولو قتلتهم لأثبت أهل البلد أمثالهم وصار جميع أهل البلد أعداءك بالطبع وأعداء عقبك لأنّك تكون قد وترتهم في غير حرب ، وأمّا إخراجك إيّاهم من عسكرك فمخاطرة بنفسك وأصحابك ، ولكنّي أشير عليك برأي هو أبلغ من القتل ، وهو أن تستدعي منهم أولاد الملوك ومن يصلح للملك فتقلّدهم البلدان وتجعل كلّ واحد منهم ملكا برأسه فتتفرّق كلمتهم ويقع بأسهم بينهم ويجتمعون على الطاعة والمحبّة لك ويرون أنفسهم صنيعتك . ففعل الإسكندر ذلك ، فهم ملوك الطوائف ، وقيل في ملوك الطوائف غير هذا السبب ، ونحن نذكره إن شاء اللَّه .